المقريزي

289

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

مولاي . فقال : كنت في هذه الأيام جالسا بمضربي هذا وكنت يومئذ معه بالمضرب لا ثالث معنا ، قال : فاستأذن عليّ رجل من خواص خدّامي ، فأذنت له ، فلما تمثل بين يديّ قال لي : يا مولاي إنّ فلانا قال كذا وعزم على كذا وأخبرني خبرا عن رجل هو من خواص حضرتي وكبار دولتي إن أنا غفلت عن حسم علّة المخبر عنه بقي ذلك إضرارا بي وبالمسلمين . فقلت للمخبر : إني أستبعد أن يقع مثل هذا من فلان وأنت عندي من الصّادقين لعله آذاك فنقلت عنه هذا النّقل لتؤذيه ؟ فحلف إنّه لم ينقل غير الحقّ . فقلت له : قم الآن واقفا عند رأسي وكرر الحكاية كما ذكرتها لي الآن من غير نقص ولا زيادة . فقام ومددت نفسي على مرتبتي هذه وغطيت وجهي كالنائم وأخذ الرجل في ذكر الحكاية وهو قائم عند رأسي ، فلما تمّ كلامه استويت قاعدا وقلت له : إياك وإفشاء ما نقلته أبدا ولما كان غد ذلك اليوم ركبت للصياد وركب معي أعلام جندي والذي بلّغت عنه الخبر ففتحت له بابا للكلام حتى رأى مني البسط الذي يرضيه ، وسألني عن حالي وسألته عن حاله . قال : فلما تأنس بالمحادثة قلت له : يا فلان كنت بالأمس على مرتبتي مستلقيا كما يكون النّائم وكان رجل قائما عند رأسي يقول : يا مولاي إنّ فلانا قال وقال وعزم على فعل كذا وذكرت له الحكاية كما نقلها لي الرجل قال : فعلمت من تلون وجهه واختلاف حاله عند ذكر الحكاية صدق النّاقل عنه . قال : ولما تمت الحكاية كان من جوابه أن قال : نعم يا مولاي واللّه إنّ الأمر على ما بلغك في نومك ونستغفر اللّه وإني من التائبين ولا أعود لمثلها بعد أبدا . قال : فقلت له : عجبت أن يصدر هذا منك وأنت عندي من الأودّاء المخلصين وممن نعوّل عليه في المهمات لكن هذه خطوة من خطوات الشّيطان لا تعد لمثلها وباللّه إنّي لا أحقدها لك لعلمي أنّك من المحبّين فلا تصغ بعدها للعدو الشّيطان ولا لغيره ممن يريد الإضرار بك وإدخال الفساد عليك وعلينا . قال : فهو الآن أنصح النّاصحين لنا الباذلين مجهوده في خدمتنا ، قال أبو عبد اللّه محمد السّبتي : فقلت له : للّه أنتم يا أمير المؤمنين